تلتزم إدارة الموارد البشرية في كل جهة حكومية بوضع خطة لاحتياجاتها المستقبلية من الموارد البشرية اللازمة لتنفيذ استراتيجيتها، تُبنى على خمس خطوات تحليلية تنتهي بتحديد الفجوة بين الطلب المتوقع والعرض المتاح، ثم باستراتيجية لسدها. وهذه الخطة ليست وثيقة اختيارية، بل أساس تُبنى عليه لاحقًا قرارات إحداث الوظائف وشغلها وتعديل مسمياتها. وفيما يلي تفصيل عناصر الخطة وخطوات إعدادها.
المرجع النظامي
نصت المادة (22) من اللائحة التنفيذية للموارد البشرية في الخدمة المدنية على أن تضع إدارة الموارد البشرية في الجهة الحكومية خطة لاحتياجاتها المستقبلية من الموارد البشرية اللازمة لتنفيذ استراتيجيتها والمهمات والأدوار المنوطة بها، وأن تُعد وفقًا لإطار العمل التنظيمي.
ويُلاحظ في صياغة النص أنه ربط الخطة بثلاثة أمور: الاستراتيجية، والمهمات، والأدوار المنوطة بالجهة. أي أن الخطة ليست جردًا لعدد الموظفين، بل ترجمة لما تريد الجهة إنجازه إلى احتياج بشري.
أربعة شروط في الخطة
حدد الإطار التنظيمي لتخطيط الموارد البشرية أربعة أمور يجب على الجهة مراعاتها عند إعداد الخطة.
الأول أن تكون الخطة متوائمة مع استراتيجية الجهة. فالخطة التي لا ترتبط بالاستراتيجية تنتهي إلى طلب وظائف لأسباب إدارية لا استراتيجية.
والثاني أن تكون متوافقة مع الهيكل التنظيمي للجهة. وهذا الشرط يمنع نشوء احتياج لوظائف في وحدات غير موجودة في الهيكل المعتمد.
والثالث أن تكون مبنية على بيانات دقيقة لمنسوبي الجهة ووظائفها. وهذا الشرط هو الأكثر أثرًا عمليًا، لأن كل ما يليه من تحليل يقوم على جودة هذه البيانات.
والرابع أن تحدد الخطة مستويات ومهمات الأدوار الوظيفية المنوطة بتنفيذ الاستراتيجية، ضمن حدود الميزانية السنوية المعتمدة.
والقيد الأخير حاسم: الاحتياج مهما كان مبررًا يبقى محكومًا بسقف الميزانية المعتمدة، ولا يجوز أن تُبنى الخطة على تجاوزه.
الخطوة الأولى: تحليل الوضع الراهن
رسم الإطار خمسة عناصر تتضمنها الخطة، أولها تحليل الوضع الراهن.
ويتم من خلال تحليل بيانات الموارد البشرية التي تبين وضع منسوبي الجهة، وأماكن تركزهم، ومؤهلاتهم، وفئاتهم العمرية، والجنس، وتقويم أدائهم، والوظائف التي يشغلونها، والوظائف الشاغرة ومستوياتها الوظيفية، وجميع خواص الموارد البشرية الوظيفية.
وتفصيل هذه العناصر بهذا الشكل مقصود، لأن كل عنصر منها يجيب عن سؤال مختلف.
فأماكن التركز تكشف اختلال التوزيع بين الوحدات. والفئات العمرية تكشف حجم من يقترب من نهاية الخدمة خلال سنوات الخطة، وهو ما يُعرف بالاحتياج الناتج عن التقاعد. وتقويم الأداء يكشف مستوى الكفاءة الحالية لا مجرد العدد. والوظائف الشاغرة ومستوياتها تكشف الفارق بين ما هو معتمد في التشكيلات وما هو مشغول فعلًا.
وهذا التحليل تحديدًا هو ما يربط خطة الموارد البشرية بمنظومة تقويم الأداء الواردة في المادة (117) وما بعدها، إذ تصبح نتائج التقويم مدخلًا في التخطيط لا مجرد إجراء سنوي منفصل.
الخطوة الثانية: تحليل الطلب المتوقع
العنصر الثاني هو تحليل الطلب المتوقع، ويتم من خلال تحديد الاحتياج المستقبلي للموارد البشرية في الجهة وفق أهداف ومتطلبات استراتيجيتها للسنوات القادمة، مع الأخذ في الاعتبار العوامل المؤثرة على الموارد البشرية.
والفارق بين هذه الخطوة والخطوة السابقة أن الأولى تصف ما هو قائم، بينما تقدّر هذه ما سيكون مطلوبًا.
وعبارة "العوامل المؤثرة على الموارد البشرية" تُبقي الباب مفتوحًا لعوامل متعددة، منها التحول في طبيعة الأعمال، وإحلال أدوات جديدة محل مهام قائمة، وتغيّر حجم الخدمات المقدمة، وما يترتب على ذلك من تغيّر في نوع المهارات المطلوبة لا عددها فقط.
الخطوة الثالثة: تحليل العرض المتوقع
العنصر الثالث هو تحليل العرض المتوقع، ويتم من خلال تحديد الموارد البشرية المتاحة داخل الجهة أو خارجها التي تتوافق مع الطلب، وفقًا لعملية تحليل الوضع الراهن، إضافة إلى تحليل المتغيرات التي طرأت على البيانات.
والنقطة المهمة في هذه الخطوة أنها لا تقتصر على من هم داخل الجهة. فالعرض يشمل الموارد المتاحة خارجها كذلك، وهو ما يفتح الباب أمام الاستقطاب والاستعارة بوصفهما مصدرين للعرض لا مجرد إجراءين إداريين.
كما أن الإشارة إلى "المتغيرات التي طرأت على البيانات" تجعل الخطة وثيقة حية تُحدَّث، لا وثيقة تُعد مرة وتُحفظ.
الخطوة الرابعة: تحليل الفجوة
العنصر الرابع هو تحليل الفجوة، ويتم من خلال قياس الطلب المتوقع مقارنة مع العرض المتوقع.
وهذه الخطوة هي قلب الخطة كلها، لأنها تحوّل التحليلات السابقة إلى رقم قابل للمعالجة.
والفجوة قد تكون بالنقص، أي أن الطلب يفوق العرض، وهي الحالة الأكثر شيوعًا وتستدعي الاستقطاب أو التأهيل. وقد تكون بالفائض أو باختلال التوزيع، حيث يتوفر العدد لكن في غير الوحدات أو التخصصات التي تحتاجه، وهي الحالة التي تعالَج بإعادة التوزيع أو بتعديل مسميات الوظائف ضمن ضوابطها.
الخطوة الخامسة: بناء استراتيجية سد الفجوة
العنصر الخامس والأخير هو بناء استراتيجية سد أو تقليص الفجوة، ويتم من خلال اتخاذ الإجراءات التصحيحية لمعالجة الفرق بين الطلب والعرض.
وحدد الإطار خمس أدوات لذلك: التدريب والتطوير، والتحفيز، والتأهيل، والاستعارة، والاستقطاب.
وترتيب هذه الأدوات يستحق الانتباه، إذ تبدأ بما هو داخلي — التدريب والتطوير والتحفيز والتأهيل — قبل أن تصل إلى الاستعارة والاستقطاب.
فالتدريب والتطوير يعالجان فجوة المهارة لدى الموجودين. والتحفيز يعالج فجوة الأداء لا فجوة العدد. والتأهيل يرتبط ببرامج الإعداد ومنها برنامج تأهيل المتميزين المخصص لحديثي التخرج. والاستعارة تتيح الاستفادة من موارد جهة أخرى دون إحداث وظيفة جديدة. ويبقى الاستقطاب هو الأداة التي تُستخدم حين لا تكفي الأدوات السابقة.
مساندة الوزارة
نص الإطار على أن تقوم وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية بتقديم المساندة اللازمة لإدارة الموارد البشرية في الجهة الحكومية فيما يتعلق بخطة الموارد البشرية لديها، متى ما استدعت الحاجة لذلك.
وصيغة "متى ما استدعت الحاجة" تجعل هذه المساندة متاحة عند الطلب، لا إجراءً إلزاميًا في كل خطة.
كيف ترتبط الخطة ببقية الإجراءات
قيمة خطة الموارد البشرية لا تظهر في الوثيقة نفسها، بل في ارتباطها بالقرارات التي تليها.
فالمادة (16) من اللائحة نصت على أن يتم إحداث الوظائف في الميزانية وفق خطة القوى العاملة للجهة الحكومية، وبما يتفق مع تصنيف الوظائف في الخدمة المدنية. أي أن الخطة هي المدخل النظامي لإحداث أي وظيفة جديدة.
وفي المقابل، فإن تعديل مسمى وظيفة أو خفض مرتبتها خلال السنة مشروط بأن يكون لمتطلبات وحاجة العمل الفعلية التي لا تقبل التأجيل إلى موعد صدور الميزانية العامة للدولة. أي أن هذا الإجراء استثناء على المسار الطبيعي الذي تمثله الخطة والميزانية.
وترتبط الخطة كذلك بإجراءات شغل الوظائف الواردة في المادة (32)، إذ تبدأ تلك العملية بتحديد الوظائف المراد شغلها والتأكد من صحة بياناتها وتحديد متطلبات شغلها، وهي معلومات مصدرها الطبيعي هو تحليل الوضع الراهن في الخطة.
من يعد الخطة ومن يستخدمها
أسندت المادة (22) إعداد الخطة إلى إدارة الموارد البشرية في الجهة، لكن تنفيذ عناصرها يتجاوز هذه الإدارة وحدها.
فتحليل الوضع الراهن يحتاج بيانات دقيقة عن الوظائف والتشكيلات، وتقدير الطلب المستقبلي يحتاج معرفة بأهداف الاستراتيجية ومتطلباتها في كل وحدة تنظيمية، وتحديد مستويات الأدوار الوظيفية يحتاج تنسيقًا مع رؤساء الوحدات الذين يعرفون طبيعة المهام.
ولهذا فإن الخطة التي تُعد داخل إدارة الموارد البشرية دون مشاركة بقية الوحدات تعالج الأعداد ولا تعالج نوع المهارة المطلوبة، وهو الفارق بين خطة تُنفَّذ وأخرى تبقى وثيقة.
وفي الاتجاه المقابل، فإن مخرجات الخطة تُستخدم في أكثر من موضع: عند إحداث الوظائف في الميزانية، وعند تحديد الوظائف المراد شغلها ومتطلباتها، وعند إعداد خطط التدريب والتطوير، وعند ترشيح الموظفين للابتعاث بما يتوافق مع حاجة الجهة لتخصصاتهم.
أثر جودة البيانات
من بين الشروط الأربعة التي وضعها الإطار، يبقى شرط البناء على بيانات دقيقة هو الأكثر أثرًا على جودة المخرج النهائي.
فتحليل الوضع الراهن يقوم على بيانات المنسوبين والوظائف. وتحليل العرض يقوم على تحليل الوضع الراهن. وتحليل الفجوة يقوم على مقارنة الطلب بالعرض. وبناء الاستراتيجية يقوم على حجم الفجوة ونوعها.
وبهذا يكون الخلل في البيانات الأولية منتقلًا إلى كل خطوة تالية، وتنتهي الجهة إلى استراتيجية تعالج فجوة غير حقيقية.
ولهذا فإن التحقق من صحة بيانات الوظائف — وهو ما اشترطه إطار شغل الوظائف كذلك في خطوته الأولى — ليس عملًا إداريًا روتينيًا، بل شرط صحة للتخطيط بأكمله.
ما الذي يميز التخطيط عن الطلب السنوي
يخلط بعض الممارسين بين خطة الموارد البشرية وبين طلب الوظائف السنوي المقدَّم مع الميزانية، والفرق بينهما جوهري.
فطلب الوظائف رقم يُرفع لسنة مالية واحدة. أما الخطة فوثيقة تحليلية تمتد للسنوات القادمة، وتشمل الموجودين لا الشواغر فقط، وتعالج الفجوة بأدوات متعددة ليس الاستقطاب إلا آخرها.
والجهة التي تكتفي بالطلب السنوي دون خطة تجد نفسها تعالج النقص بالتعيين وحده، بينما قد تكون أدوات التدريب والتأهيل وإعادة التوزيع كافية لمعالجة جزء من الفجوة دون كلفة إضافية على الميزانية.
التوقيت: متى تُعد الخطة
ربط الإطار الخطة بالميزانية السنوية المعتمدة، إذ اشترط أن تحدد الخطة مستويات ومهمات الأدوار الوظيفية ضمن حدودها.
وهذا الربط يحدد ضمنًا توقيت إعداد الخطة، فهي تسبق دورة الميزانية لا تليها، لأن مخرجاتها هي ما يُبنى عليه إحداث الوظائف فيها وفق المادة (16).
ويترتب على ذلك أثر عملي: الجهة التي تؤجل إعداد خطتها إلى ما بعد اعتماد الميزانية تجد نفسها أمام احتياج لا يقابله اعتماد مالي، فتضطر إلى معالجته خلال السنة بإجراءات استثنائية مثل تعديل المسميات، وهي إجراءات قيّدها الإطار الخاص بها بشرط الحاجة الفعلية التي لا تحتمل التأجيل.
خلاصة عملية
يمكن تلخيص إعداد الخطة في تسلسل واحد: التأكد من مواءمتها للاستراتيجية والهيكل والميزانية، ثم تحليل الوضع الراهن ببياناته التفصيلية من الأعداد والمؤهلات والأعمار وتقويم الأداء والشواغر، ثم تقدير الطلب المستقبلي وفق أهداف الاستراتيجية، ثم تحديد العرض المتاح داخل الجهة وخارجها، ثم قياس الفجوة بينهما، ثم اختيار الأدوات المناسبة لمعالجتها بدءًا بالداخلية منها.
وتبقى الخطة بعد ذلك مرجعًا يُستند إليه في إحداث الوظائف وشغلها وفي تقدير الحاجة إلى التدريب والابتعاث، وهو ما يجعل إعدادها بدقة أوفر جهدًا من معالجة نتائج غيابها لاحقًا.
0 تعليقات