إنهاء الخدمة للعجز الصحي: قرار الهيئة الطبية والمهل والإصابة بسبب العمل

 

تنتهي خدمة الموظف في الخدمة المدنية إذا ثبت عجزه صحيًا عن العمل بصفة دائمة وقطعية بموجب قرار من الهيئة الطبية العامة، ويكون ذلك من تاريخ تبليغ جهة عمله بالقرار، على ألا يتجاوز تاريخ إنهاء خدمته ثلاثين يومًا من تاريخ صدور قرار الهيئة. هذا ما نصت عليه المادة (224) من اللائحة التنفيذية للموارد البشرية في الخدمة المدنية. وفيما يلي المسار الكامل الذي يسبق هذا القرار، والفرق بين العجز الجزئي والدائم، وشروط تعديل سبب إنهاء الخدمة لاحقًا.

من يقرر العجز؟ 

الجهة الوحيدة المختصة بتقرير العجز الصحي هي الهيئة الطبية العامة، لا جهة العمل ولا الطبيب المعالج ولا الموظف.

فقد نص الإطار التنظيمي على أنه إذا كانت حالة الموظف تدل على عجزه الصحي عن العمل، يُعرض على الهيئة الطبية العامة لتقرر إما عجزه عن العمل بصورة جزئية، وإما عجزه بصورة دائمة وقطعية، وإما ما تراه في شأنه.

وهذا التقسيم الثلاثي مهم، لأن لكل فرع منه أثرًا مختلفًا تمامًا على استمرار الخدمة.

الفرق بين العجز الجزئي والعجز الدائم

إذا قررت الهيئة الطبية العامة أن الموظف عاجز صحيًا عن العمل بصورة جزئية، فإنها تحدد نسبة العجز وموضعه، ويُعامل الموظف وفقًا لما نصت عليه المادة (65) من اللائحة التنفيذية للموارد البشرية في الخدمة المدنية.

أي أن العجز الجزئي لا يؤدي بذاته إلى إنهاء الخدمة، بل إلى معاملة خاصة يحكمها نص مستقل.

أما إذا قررت الهيئة أن الموظف عاجز عن العمل بصفة دائمة وقطعية، فتنهي الجهة الحكومية التي يعمل بها خدمته لعجزه الصحي وفقًا لنص المادة (224).

والفارق بين الوصفين ليس لغويًا. فوصف "الدائم والقطعي" يحمل شرطين معًا: استقرار الحالة دون توقع تحسن، وقطعية التقرير لا احتماله.

متى تُخاطَب الهيئة الطبية العامة؟ 

حدد الإطار التنظيمي ثلاث حالات تتولى فيها الهيئة الطبية العامة تحديد الحالة الصحية للموظف، وما إذا كانت لديه القدرة على القيام بمجهود معين مع تحديد نوعيته أو عدم قدرته على ذلك.

الحالة الأولى هي الموظف الذي يُعالَج من أمراض عضوية واستنفد إجازاته المرضية المستحقة أو جزءًا منها مع استمرار علاجه. والثانية هي الموظف الذي تعرض لإصابة أو مرض بسبب العمل ودون خطأ منه واستنفد إجازاته المرضية المستحقة أو جزءًا منها. والثالثة هي الموظف المصاب بمرض نفسي أو عصبي واستنفد إجازاته المرضية والاستثنائية المستحقة ولم يعد له رصيد من إجازته العادية ولم يباشر واجباته الوظيفية بسبب استمرار علاجه.

وأوكل الإطار إلى إدارة الموارد البشرية في الجهة التي يتبعها الموظف مخاطبة الهيئة الطبية العامة بعد انتهاء مدد الإجازات المرضية المستحقة المنصوص عليها في المادة (141) من اللائحة، وذلك لتحديد الحالة الصحية للموظف.

التزام لا يسقط: متابعة وضع الموظف

أضاف الإطار التزامًا على جهة العمل يُغفل كثيرًا في التطبيق، وهو ضرورة متابعة وضع الموظف من قبل جهة عمله في حال عدم عودته بعد انتهاء إجازاته المرضية، للتحقق من حالته الصحية قبل إصدار قرار إنهاء خدمته بسبب انقطاعه عن العمل.

ووجه الأهمية أن الانقطاع عن العمل والعجز الصحي قد يبدوان متطابقين من الخارج ويختلفان تمامًا في الأثر. فإنهاء الخدمة للانقطاع يحمل وصفًا مختلفًا عن إنهائها للعجز الصحي، ولكل منهما نتائجه.

ولذلك جعل الإطار التحقق من الحالة الصحية خطوة سابقة على قرار الإنهاء بسبب الانقطاع، لا لاحقة عليه.

تعديل سبب إنهاء الخدمة إلى العجز الصحي

عالج الإطار حالة الموظف الذي أُنهيت خدمته لسبب آخر — كالغياب — ثم تبيّن أن سبب انقطاعه كان صحيًا.

واشترط لتعديل سبب إنهاء الخدمة من الغياب أو غيره إلى العجز الصحي شرطين مجتمعين.

الشرط الأول أن يتقدم الموظف المنتهية خدمته بطلب تعديل سبب إنهاء الخدمة قبل مضي خمس سنوات من تاريخ انقطاعه عن العمل، وأن يتضمن الطلب مبررات مقنعة عن أسباب التأخر في تقديمه، وأسباب عدم رفع التقارير والمستندات المثبتة لعجزه الصحي في حينه.

والشرط الثاني أن تُصدر الهيئة الطبية العامة تقريرًا يستند إلى وقائع ثابتة وتقارير طبية موثقة صادرة قبل انقطاع الموظف عن العمل أو أثناءه، توضح حالته ووضعه الصحي وأنها تبرر غيابه.

والشرط الثاني هو الأصعب عمليًا، لأنه يمنع الاستناد إلى تقارير طبية أُعدت بعد انتهاء الخدمة. فالمطلوب دليل معاصر للواقعة لا لاحق عليها.

إثبات أن الإصابة وقعت بسبب العمل

يرتبط بهذا الملف مسار منفصل ومهم، وهو إثبات أن الإصابة أو المرض الذي تعرض له الموظف قد وقع بسبب العمل. وأهميته أن هذا الوصف يفتح الباب لإجازة مرضية تصل إلى سنة ونصف براتب كامل وفق المادة (141)، ولمعاملة خاصة عند العجز.

وقد وضع الإطار إجراءات محددة لحالتين مختلفتين.

الحالة الأولى: إصابة أثناء العمل

إذا وقعت إصابة للموظف أثناء العمل، يقوم رئيسه المباشر في الجهة الحكومية التي وقعت فيها الإصابة بتحرير محضر تحقيق لإثبات ما حدث.

ويجب أن يبيّن المحضر ثلاثة عناصر: بيانات الموظف متضمنة اسمه ومرتبته ومهمات عمله، وأسباب الإصابة وتاريخ وساعة وقوعها، وأسماء الذين شاهدوا الواقعة وأقوالهم.

وذكر ساعة الوقوع تحديدًا ليس تفصيلًا شكليًا، إذ يربط الواقعة بوقت الدوام ويسهم في إثبات أنها وقعت أثناء العمل.

واشترط الإطار أن يثبت من التحقيق أن الإصابة لم تنشأ بصورة مقصودة ممن يستفيد منها، وأنها لم تقع نتيجة عمل جنائي قام به.

ثم يُحرر المحضر وتُرفع صورة منه إلى الوزير المختص، ويُحال إلى الشرطة المختصة إذا كان هناك مقتضى لذلك، وتُودع صورة منه في ملف الموظف المصاب.

الحالة الثانية: حادث في الطريق

عالج الإطار كذلك وقوع حادث للموظف أثناء الذهاب إلى العمل أو العودة منه.

ويكون إثبات الحادث في هذه الحالة بتقديم صورة من محضر التحقيق الذي أجرته الجهة الأمنية، ويُرفق معه تقرير من المستشفى أو الجهة التي نُقل إليها المصاب بعد وقوع الحادث مباشرة.

ويجب أن يثبت من خلال التحقيق أن المصاب كان في طريقه من العمل أو إليه، أو أن الإصابة حدثت أثناء تنقلاته بناءً على تعليمات من مرجعه، أو أثناء تكليفه بالسفر في مهمة رسمية.

وهذا التوسع في الوصف مهم، لأنه يشمل التنقلات المكلَّف بها والسفر في مهمة رسمية، لا مجرد الطريق اليومي المعتاد بين المنزل والعمل.

ماذا لو كان العجز أو الوفاة بسبب العمل؟

في نماذج العقود الحكومية، رُتبت معاملة خاصة لحالات العجز والوفاة الناشئة بسبب العمل.

فقد نص نموذج عقد غير السعوديين مثلًا على أن يُعامل الموظف في حالة الإصابة بعجز أو عاهة دائمة تمنعه من أداء العمل بصورة قطعية — أو يُعامل ورثته في حال وفاته — بما يُعامل به الموظف السعودي وفقًا للأحكام المنصوص عليها في نظام الخدمة المدنية ولوائحه التنفيذية، بشرط أن يكون العجز أو الوفاة ناشئين بسبب العمل.

كما نص على معاملة مماثلة في حالة الإصابة بعجز جزئي أو عاهة دائمة لا تمنع من أداء العمل، بالشرط نفسه.

وهذا يوضح أن وصف "بسبب العمل" ليس تفصيلًا إداريًا، بل هو المفتاح الذي يحدد مستوى الحماية بالكامل، وهو ما يجعل توثيق الواقعة في حينها بمحضر تحقيق مستوفٍ أهم من أي إجراء لاحق.

علاقة الإجازات الاستثنائية بالقرار

ربطت المادة (141) في فقرتها الأخيرة بين قرار العجز ورصيد الموظف من الإجازات، وهو ربط له أثر مباشر على توقيت إنهاء الخدمة.

فإذا لم تقرر الهيئة الطبية العامة عجز الموظف صحيًا عن العمل، كان له الحق في استنفاد رصيده من الإجازة العادية أو الاستثنائية. أي أن وجود رصيد يمنحه فترة إضافية قبل أن يُطرح ملف إنهاء الخدمة أصلًا.

وأوجبت اللائحة على الجهة الحكومية أن تضع الترتيبات اللازمة بالنسبة إلى الموظف المريض، بمنحه الإجازات العادية أو الاستثنائية وفق ضوابطها المحددة إن كان ثمة أمل في شفائه، أو إنهاء خدمته.

وعبارة "إن كان ثمة أمل في شفائه" تضع على جهة العمل تقديرًا ليس شكليًا، إذ تجعل الخيار بين الانتظار والإنهاء مرتبطًا بتوقع طبي لا برغبة إدارية.

ترتيب المسار من البداية إلى النهاية

يمكن تلخيص المسار في تسلسل واحد.

يبدأ الأمر بإصابة أو مرض يمنع الموظف من أداء عمله، فيحصل على إجازة مرضية وفق المدد المقررة في المادة (141)، وهي تختلف بحسب ما إذا كان المرض عاديًا أو خطيرًا أو ناشئًا بسبب العمل. فإذا انتهت الإجازة ولم يتمكن من مباشرة عمله، تُخاطَب الهيئة الطبية العامة لتحديد وضعه الصحي.

فإن لم تقرر الهيئة عجزه، كان له استنفاد رصيده من الإجازة العادية أو الاستثنائية. وإن قررت عجزه، أو كان قد استنفد رصيده من تلك الإجازات، انتقل الأمر إلى تحديد نوع العجز: جزئي فيُعامل وفق المادة (65)، أو دائم وقطعي فتُنهى خدمته وفق المادة (224).

وفي حالة العجز الدائم والقطعي يبدأ حساب المهلة: إنهاء الخدمة من تاريخ تبليغ جهة العمل بقرار الهيئة، على ألا يتجاوز تاريخ الإنهاء ثلاثين يومًا من تاريخ صدور القرار.

لماذا تهم المهل هنا أكثر من غيرها؟

في هذا الملف تحديدًا، تتقاطع ثلاث مهل مختلفة يسهل الخلط بينها.

الأولى مهلة إحالة التقرير الطبي من جهة العمل إلى الهيئة الطبية العامة، وهي ثلاثة أيام من تاريخ استلامه. والثانية مهلة نظر الهيئة في التقارير المحالة إليها والتقرير في شأنها، وهي عشرة أيام من تاريخ الاستلام قابلة للزيادة بما لا يتجاوز خمسة أيام إضافية. والثالثة مهلة إنهاء الخدمة بعد قرار العجز، وهي ثلاثون يومًا من تاريخ صدور القرار.

وتأخر أي جهة عن مهلتها لا يسقط الحق بذاته، لكنه يطيل فترة يبقى فيها وضع الموظف معلقًا بلا تسوية، وهي الفترة التي تنشأ فيها معظم النزاعات في هذا النوع من الملفات.

ولهذا فإن حفظ نسخ التقارير الطبية وتواريخ تسليمها ليس إجراءً احتياطيًا فحسب. فالمسار كله مبني على تواريخ متسلسلة: تاريخ الانقطاع، وتاريخ الكشف، وتاريخ تسليم التقرير لجهة العمل، وتاريخ إحالته إلى الهيئة، وتاريخ صدور قرارها، وتاريخ تبليغ الجهة به. وكل مهلة في هذا الملف محسوبة من أحد هذه التواريخ تحديدًا، لا من تاريخ عام غير محدد.



إرسال تعليق

0 تعليقات