يتيح برنامج تأهيل المتميزين للجهات الحكومية استقطاب حديثي التخرج وتأهيلهم لشغل وظائف محددة، بمكافأة شهرية تعادل الراتب الأساسي للدرجة الأولى من مرتبة الوظيفة المستهدفة. ويُشترط للالتحاق ألا يكون قد مضى على التخرج أكثر من أربع سنوات، وألا يقل تقدير المؤهل عن "جيد جدًا". ويقابل ذلك التزام بالعمل لدى الجهة مدة تعادل مدة البرنامج، وإلا لزم المتدرب رد كل ما صُرف له. وفيما يلي تفصيل البرنامج من شروطه إلى نهايته.
فكرة البرنامج ومرجعه النظامي
نصت المادة (201) من اللائحة التنفيذية للموارد البشرية في الخدمة المدنية على أنه يجوز للجهة الحكومية اختيار الطلاب السعوديين المتميزين من حديثي التخرج — من الثانوية العامة أو ما يعادلها، أو من الدبلوم بعد الثانوية العامة أو ما يعادله، أو من الدرجة الجامعية — لتأهيلهم داخل المملكة أو خارجها، في التخصصات التي تستهدفها الجهة وفق خطط التطوير والتدريب لديها.
والغرض المعلن هو إعدادهم علميًا وعمليًا لتحقيق الأهداف الاستراتيجية للجهة، ويكون ذلك من خلال برنامج يسمى برنامج تأهيل المتميزين.
ويُلاحظ في هذا النص أن البرنامج ليس مسارًا عامًا للتوظيف، بل أداة تستخدمها الجهة لسد احتياج محدد في تخصصات بعينها تحددها مسبقًا ضمن خططها.
وأوكلت المادة (202) إلى إدارة الموارد البشرية في الجهة مسؤولية الإعلان وإدارة عملية اختيار المشمولين بالبرنامج وتنسيقها وتوثيقها، وفق مبدأ الجدارة والمقاييس والاشتراطات اللازم توفرها في المرشحين التي يحددها إطار العمل التنظيمي.
ونصت المادة (204) على أن تُنظَّم العلاقة بين الجهة الحكومية ومن يتم قبولهم في البرنامج وفق نموذج عقد تأهيل تعده وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية.
شروط التقدم للبرنامج
اشترط الإطار التنظيمي للالتحاق بالبرنامج أربعة شروط.
الأول توفر الشروط المنصوص عليها في المادة (28) من اللائحة، وهي الشروط العامة لشغل الوظائف.
والثاني ألا يكون قد مضى على تخرج المتقدم أكثر من أربع سنوات حتى التاريخ المحدد للإعلان. وهذا الشرط هو ما يجعل البرنامج مقصورًا فعليًا على حديثي التخرج، ويستبعد من أمضى سنوات في سوق العمل.
والثالث أن يكون قد حصل على المؤهل المطلوب بدرجة لا تقل عن "جيد جدًا" أو ما يعادله. وهو المعيار الذي يبرر وصف البرنامج بأنه للمتميزين.
والرابع أن يُعادَل المؤهل من الجهة المختصة إذا كان صادرًا من خارج المملكة.
الخطة الشاملة التي تسبق الإعلان
لا تستطيع الجهة الحكومية إطلاق البرنامج بقرار داخلي منفرد. فقد ألزمها الإطار بتقديم خطة شاملة للبرنامج إلى وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، تتضمن أربعة عناصر.
أولها تحديد الوظائف المستهدف شغلها أو التكليف لأداء مهماتها من خلال البرنامج، وكذلك التخصصات المناسبة لتلك الوظائف، على أن تركز الجهة في تحديد تلك الوظائف على أكثر المجالات الوظيفية والأعمال التي تحتاجها.
وثانيها تحديد عناصر البرنامج النظرية والعملية وفترات التأهيل ومراحله.
وثالثها تحديد مقاييس ومعايير المفاضلة والاختيار بين المتقدمين للالتحاق بالبرنامج.
ورابعها تحديد عناصر تقييم الملتحق بالبرنامج.
ثم تقوم الوزارة بمراجعة هذه الخطة واعتمادها، وتلتزم الجهة الحكومية بما يتم اعتماده. أي أن الخطة المعتمدة تصبح ملزِمة للجهة نفسها، ولا يجوز لها الخروج عنها بعد الاعتماد.
الإعلان والاختيار
تقوم الجهة الحكومية بالإعلان عن البرنامج في موقعها الإلكتروني، إضافة إلى أي وسيلة إعلان أخرى تراها مناسبة، وتزويد وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية بنسخة من الإعلان لنشره على موقع الوزارة الإلكتروني.
وهذا المسار المزدوج في النشر هو نفسه المتبع في الإعلان عن الوظائف الحكومية، ويتيح للمتقدم متابعة مصدر مركزي إلى جانب مواقع الجهات.
ثم تختار الجهة المرشحين للالتحاق بالبرنامج وفق المقاييس والمعايير المعتمدة — أي تلك الواردة في الخطة الشاملة التي أقرتها الوزارة — وتعلن أسماء من تم اختيارهم.
مدة البرنامج ومكان التأهيل
حدد نموذج عقد الالتحاق مدة البرنامج بسنتين كحد أقصى، ويجوز بقرار من الوزير المختص تمديدها لمدة واحدة لا تتجاوز بأي حال من الأحوال ستة أشهر.
ويكون مكان التأهيل في المدينة المحددة في العقد، أو في أي مكان تحدده الجهة داخل المملكة أو خارجها. ومعنى ذلك أن الملتحق قد يُؤهَّل داخليًا أو خارجيًا بحسب ما تقتضيه خطة البرنامج.
وفي حال تدريبه في الخارج، تسري عليه الحقوق والمزايا المالية المقررة في نظام الخدمة المدنية ولوائحه التنفيذية.
المكافأة الشهرية
يستحق الملتحق بالبرنامج مكافأة شهرية تعادل الراتب الأساسي للدرجة الأولى من مرتبة الوظيفة التي سيتم تأهيله لشغلها أو تكليفه بأداء مهماتها.
وهذا الربط بين المكافأة والوظيفة المستهدفة له دلالة عملية: قيمة المكافأة ليست رقمًا ثابتًا لكل الملتحقين، بل تختلف باختلاف مرتبة الوظيفة التي يجري التأهيل لها.
كما أنها ترتبط بالدرجة الأولى تحديدًا من تلك المرتبة، وهي أدنى درجات المرتبة، لأن الملتحق لم يشغل الوظيفة بعد.
الإجازات المستحقة
يستحق الملتحق إجازة لا تزيد على ثلاثين يومًا في السنة، تُمنح حسب ما تراه الجهة الحكومية وبما يتوافق مع خطة البرنامج.
وعبارة "حسب ما تراه الجهة" مهمة، إذ تجعل توقيت الإجازة مرتبطًا بمراحل البرنامج لا بخيار الملتحق وحده.
وإذا كانت الملتحقة امرأة، فتستحق — إضافة إلى الإجازة السابقة — إجازة وضع بكامل المكافأة مدتها سبعون يومًا توزعها كيف تشاء، تبدأ بحد أقصى بثمانية وعشرين يومًا قبل التاريخ المرجح للوضع، ويُحدد هذا التاريخ بموجب شهادة طبية مصدقة من جهة صحية.
ومرونة التوزيع هنا لافتة، فالمدة ليست كتلة واحدة محددة البداية، بل يمكن توزيعها قبل الوضع وبعده ضمن الحد المقرر.
المتابعة والتقييم الدوري
ألزم الإطار الجهة الحكومية بتنفيذ البرنامج ومتابعة الملتحقين به والإشراف عليهم وتقييمهم بصفة دورية، وفقًا لفترات التأهيل ومراحله، على ألا يقل التقييم عن مرتين خلال مدة البرنامج كاملًا.
وهذا الحد الأدنى للتقييم ليس إجراءً شكليًا، لأن نتيجة التقييم ترتبط مباشرة بحالات الاستبعاد كما سيأتي.
التزامات الملتحق
حدد الإطار ثلاثة التزامات على الملتحق بالبرنامج.
الأول التوقيع على عقد التأهيل والالتزام بأحكامه وشروطه. والثاني التوقيع على مدونة قواعد السلوك وأخلاقيات الوظيفة العامة والالتزام بأحكامها.
والثالث هو الأثقل: أن يعمل لدى الجهة الحكومية مدة تعادل مدة البرنامج. وعند امتناعه عن ذلك، أو عدم إنهائه للبرنامج، يُلزَم بدفع جميع ما صُرف له من مكافآت خلال مدة التأهيل، ويجوز للوزير المختص إعفاؤه من ذلك.
ومعنى هذا الالتزام أن البرنامج ليس منحة، بل استثمار متبادل: الجهة تنفق على التأهيل، والملتحق يردّ ذلك بمدة عمل مماثلة، أو بإعادة ما صُرف له.
حالات الاستبعاد وفسخ العقد
أجاز الإطار للوزير المختص استبعاد الملتحق من البرنامج وفسخ العقد في ثلاث حالات.
الأولى الغياب لمدة عشرة أيام متتالية، أو عشرين يومًا متفرقة خلال مدة البرنامج، دون عذر مشروع تقبله الجهة الحكومية.
والثانية حصوله على درجة تقييم اثنين من خمسة أو أقل لمرتين متتاليتين. وهنا تظهر أهمية التقييم الدوري، لأن تكرار التقدير المنخفض مرتين متتاليتين كافٍ للاستبعاد.
والثالثة مخالفته لأحكام مدونة قواعد السلوك وأخلاقيات الوظيفة العامة.
وفي حال الاستبعاد لأي من هذه الحالات، يُبلَّغ الملتحق قبل أسبوع على الأقل من استبعاده، ويُلزَم بدفع جميع ما صُرف له من مكافآت خلال مدة التأهيل، ويجوز للوزير المختص إعفاؤه من ذلك.
ومهلة الأسبوع هذه تمثل الحد الأدنى من الإجراء الشكلي قبل قرار له أثر مالي كبير على الملتحق.
ماذا بعد اجتياز البرنامج
تقوم الجهة الحكومية بتمكين من يجتاز البرنامج بنجاح من شغل الوظيفة المستهدفة بالتأهيل أو تكليفه بأداء مهماتها، ما لم يكن هناك مانع نظامي يحول دون ذلك.
ويُمنح في هذه الحالة الدرجة الثالثة من مرتبة الوظيفة التي سيشغلها أو يُكلَّف بأداء مهماتها.
وهذه نقطة تستحق الانتباه: المكافأة خلال البرنامج كانت تعادل الراتب الأساسي للدرجة الأولى من المرتبة، بينما يُمنح عند شغل الوظيفة الدرجة الثالثة منها. أي أن اجتياز البرنامج يترتب عليه تقدم في الدرجة داخل المرتبة نفسها، وهو حافز مالي مباشر مرتبط بإتمام التأهيل.
ما يحكم ما لم يرد فيه نص
نص نموذج عقد الالتحاق على أنه فيما لم يرد به نص في العقد، فيخضع لأحكام المادة (49) من نظام العمل، وهي المادة المتعلقة بعقد التأهيل والتدريب.
كما نص على أنه في حال وجود نزاع أو خلاف حول أي بند من بنود العقد، يجب العمل على حله وديًا وبحسن نية، وفي حال عدم التوصل إلى حل ودي تكون الجهة المختصة بنظر القضايا العمالية هي صاحبة الاختصاص، ويكون النظام السعودي هو النظام الواجب التطبيق.
الفرق بين هذا البرنامج والتوظيف المباشر
يخلط كثيرون بين الالتحاق ببرنامج تأهيل المتميزين والتعيين المباشر على وظيفة، والفارق بينهما جوهري في ثلاثة مواضع.
الأول أن الملتحق بالبرنامج لا يشغل وظيفة خلال مدة التأهيل، بل يتقاضى مكافأة شهرية تعادل الراتب الأساسي للدرجة الأولى من مرتبة الوظيفة التي يجري إعداده لها. فهو في مرحلة إعداد لا في مرحلة شغل.
والثاني أن علاقته بالجهة تنظمها وثيقة مختلفة، هي نموذج عقد التأهيل الذي تعده الوزارة وفق المادة (204)، لا نموذج عقد أداء مهمات وظيفة.
والثالث أن استمراره مشروط بالتقييم الدوري، إذ يؤدي حصوله على درجة اثنين من خمسة أو أقل لمرتين متتاليتين إلى الاستبعاد وفسخ العقد وإلزامه برد ما صُرف له، وهو شرط لا مقابل له في التعيين المباشر.
لمن يناسب هذا المسار
بالنظر إلى مجموع الأحكام، يتضح أن البرنامج موجه إلى فئة محددة: خريج حديث لم يمضِ على تخرجه أكثر من أربع سنوات، بتقدير لا يقل عن جيد جدًا، في تخصص تحتاجه جهة حكومية بعينها ضمن خطة معتمدة مسبقًا من الوزارة.
وهو يمنح مسارًا مباشرًا نحو وظيفة محددة مع مكافأة خلال فترة الإعداد، مقابل التزام بالعمل مدة مماثلة والتزام مالي في حال عدم الإكمال. ولذلك فإن قراءة عقد التأهيل ومدة البرنامج والوظيفة المستهدفة قبل التوقيع ليست إجراءً شكليًا، لأن هذه العناصر الثلاثة هي التي تحدد حجم الالتزام المترتب.
0 تعليقات